ابن قيم الجوزية

714

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

اللّه أعلم بما كانوا عاملين . هكذا ذكر أبو عبيد عن ابن المبارك ، لم يزد شيئا . وذكر أنه سأل محمد بن الحسن عن تأويل هذا الحديث ، فقال : كان هذا القول من النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قبل أن يؤمر الناس بالجهاد . هذا ما ذكره أبو عبيدة . قال أبو عمر : أما ما ذكره عن ابن المبارك ، فقد روي عن مالك نحو ذلك ، وليس فيه مقنع من التأويل ، ولا شرح موعب في أمر الأطفال ، ولكنها تؤدي إلى الوقوف عن القطع فيهم ، بكفر وإيمان أو جنة ونار ، ما لم يبلغوا العمل . قال : وأما ما ذكره عن محمد بن الحسن ، فأظنّ محمدا حاد عن الجواب فيه ، إمّا لإشكاله ، وإما لجهله به ، أو لما شاء اللّه ، وأما قوله : إن ذلك كان من النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل أن يؤمر الناس بالجهاد ، فلا أدري ما هذا ، فإن كان أراد أن ذلك منسوخ ، فغير جائز ، عند العلماء ، دخول النسخ في إخبار اللّه ورسوله ، إذ المخبر بشيء كان أو يكون ، إذا رجع عن ذلك ، لم يخل رجوعه من تكذيبه لنفسه ، أو غلطه فيما أخبر به أو نسيانه ، وقد جلّ اللّه عن ذلك وعصم رسوله منه ، وهذا لا يجهله ولا يخالف فيه أحد ، وقول محمد بن الحسن : إنّ هذا كان قبل أن يؤمر الناس بالجهاد ، ليس كما قال : إن في حديث الأسود بن سريع ما يتبين أن ذلك كان منه بعد الأمر بالجهاد ، ثم روى بإسناده عن الحسن عن الأسود بن سريع ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما بال أقوام بلغوا في القتل حتى قتلوا الولدان ؟ » فقال رجل : أو ليس إنما هم أولاد المشركين ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أو ليس خياركم أولاد المشركين ؟ إنه ليس من مولود يولد إلا على الفطرة ، حتى يعبر عنه لسانه ، ويهوّده أبواه أو ينصّرانه » « 1 » قال : وروى هذا الحديث عن الحسن جماعة ، منهم أبو بكر المزني والعلاء بن زياد ، والسّريّ « 2 » بن يحيى ، وقد روى عن الأحنف ، عن

--> ( 1 ) مر سابقا وهذا حديث الأسود بن سريع . ( 2 ) تحرفت في المطبوع إلى : « المسرى » .